نورالدين علي بن أحمد السمهودي

189

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

قال السبكي : ويمكن أن يقال : إن قصد بذلك التعظيم فالحق ما قاله الشيخ أبو محمد ؛ لأنه تعظيم لما لم يعظمه الشرع ، وإن لم يقصد مع عينه أمر آخر فهذا قريب من العبث ؛ فيترجح ما قاله أبو علي . وذهب الداودي إلى أن ما قرب من المساجد الفاضلة من المصر فلا بأس بإتيانه مشيا وركوبا ، استدل بمسجد قباء لأن شد الرحال لا يكون لما قرب غالبا ، ونقل عياض أنه إنما يمنع إعمال المطيّ للناذر ، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يصح نذر ما سوى المساجد الثلاثة ، ومذهب ليث بن سعد صحة ذلك مطلقا ، وقال بعضهم : يلزم ما لم يكن شد رحل كمسجد قباء وهو قول محمد بن مسلمة المالكي . وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما سئل عمن جعل على نفسه مشيا إلى مسجد قباء وهو بالمدينة ، فألزمه ذلك ، وأمره أن يمشي ، قال ابن حبيب في الواضحة : فكذلك من نذر أن يمشي إلى مسجده الذي يصلي فيه مكتوبته ، وليس بلازمه فيما نأى عنه من المساجد لا ماشيا ولا راكبا . قال السبكي : هذا كله في قصد المكان لعينه ، أو قصد عبادة فيه تمكن في غيره ، أما قصده بغير نذر لغرض فيه كالزيارة وشبهها فلا يقول أحد فيه بتحريم ولا كراهة ، مع أن السفر بقصد زيارة النبي صلى اللّه عليه وسلم غايته مسجد المدينة ؛ لأنها إنما تكون فيه لمجاورته القبر الشريف ، وغرض الزائر التبرك بالحلول في ذلك المحل ، والتسليم على من بذلك القبر الشريف ، وتعظيم من فيه كما لو كان حيا بالحياة المألوفة فسافر إليه ، وليس القصد تعظيم بقعة القبر لعينها . وقال الماوردي : قال أصحابنا عند ذكر من يلي أمر الحج : فإذا قضى الناس حجهم أمهلهم الأيام التي جرت عادتهم بها ، فإذا رجعوا سار بهم على طريق مدينة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، رعاية لحرمته ، وقياما بحقوق طاعته ، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبة ، وعبادات الحجيج المستحسنة ، وقال القاضي الحسين : إذا فرغ من الحج فالسنة أن يقف بالملتزم ويدعو ، قال : ثم يأتي المدينة ، ويزور قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . وقال القاضي أبو الطيب : ويستحب أن يزور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن يحج ويعتمر ، وقال المحاملي في التجريد : ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتقدم قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه : الأحسن للحاج أن يبدأ بمكة ، فإذا قضى نسكه مر بالمدينة إلى آخره . والحنفية قالوا : إن زيارة قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من أفضل المندوبات